اعتبارا من 1ᵉʳ septembre 2026، يدخل إصلاح مهم حيز التنفيذ في فرنسا يتعلق بتحديد المدة القصوى للإجازات المرضية (arrêt de travail) التي يمكن أن يصفها الطبيب للأجير في القطاع الخاص. هذا الإصلاح، المنبثق عن قانون تمويل الضمان الاجتماعي لسنة 2026 (loi de financement de la sécurité sociale pour 2026) والذي تم تفعيله بمرسوم صادر بتاريخ 12 juin 2026، يحدد سقفا زمنيا للوصفة الطبية الأولى بـ 31 يوما وللتجديد بـ 62 يوما. هذه القواعد الجديدة تثير تساؤلات عديدة لدى الأجراء من أبناء الجالية العربية في فرنسا، خاصة فيما يتعلق بحقوقهم أثناء المرض والحماية من الفصل. نقدم في هذا المقال تحليلا قانونيا دقيقا لهذا الإصلاح وآثاره العملية.
لفهم最佳 لحقوقك كأجير في فرنسا، يمكنك الرجوع إلى دليلنا الشامل حول قانون العمل الفرنسي وحقوق الأجراء.
I. الإطار الجديد لتحديد مدة الإجازة المرضية: السقف الزمني وآثاره
A. الوصفة الطبية الأولى: سقف 31 يوما ومبررات الإصلاح
حتى نهاية غشت 2026، كان الطبيب المعالج يتمتع بحرية واسعة في تحديد مدة الإجازة المرضية التي يصفها للمريض الأجير، دون سقف زمني محدد قانونا. لكن ابتداء من فاتح سبتمبر 2026، أصبحت المدة القصوى للوصفة الطبية الأولى (prescription initiale) محددة في 31 يوما. ويعني هذا أنه إذا رأى الطبيب أن حالة المريض تستوجب راحة تفوق شهرا واحدا، فإنه لا يستطيع أن يصف هذه المدة دفعة واحدة، بل يجب عليه إما أن يقتصر على 31 يوما ثم يجدد الوصفة لاحقا، أو أن يبرر طبيا ضرورة تجاوز هذا السقف.
جاء هذا الإصلاح في سياق وصفته الحكومة الفرنسية بـ”محاربة تعويضات التوقف عن العمل غير المبررة”، وذلك بعد أن سجل صندوق التأمين الصحي (assurance maladie) ارتفاعا قياسيا في عدد أيام التوقف عن العمل خلال السنوات الأخيرة. وتأتي هذه القواعد تطبيقا للمادة 102 من قانون تمويل الضمان الاجتماعي لسنة 2026.
غير أن المشرع أبقى على إمكانية تجاوز هذا السقف. فإذا قدر الطبيب أن الحالة الصحية للأجير تستوجب ذلك، يمكنه أن يصف إجازة مرضية أطول، شريطة أن يبرر ذلك صراحة في الشهادة الطبية. ويبقى الطبيب المعالج (médecin traitant) أو الطبيب الذي وصف الإجازة الأولى أو القابلة (sage-femme) أو طبيب الأسنان (chirurgien-dentiste) مؤهلا للقيام بهذا التمديد، كل في حدود اختصاصه.
B. تجديد الإجازة المرضية: سقف 62 يوما ومسألة الأمراض المزمنة
أما بالنسبة لتجديد الإجازة المرضية (prolongation de l arrêt de travail)، فقد حدد المرسوم سقفا أقصى للتجديد الواحد بـ 62 يوما. وهذا يعني أن كل عملية تجديد للإجازة لا يمكن أن تتجاوز شهرين. ومن المهم أن نفهم أن هذا السقف لا يعني أن المدة الإجمالية للإجازة المرضية محددة في شهرين، بل فقط أن كل “قسط” من أقساط التجديد لا يمكن أن يتجاوز 62 يوما.
تكتسي هذه النقطة أهمية خاصة للأجراء الذين يعانون من أمراض مزمنة (affection de longue durée أو ALD)، والذين غالبا ما يحتاجون إلى إجازات مرضية طويلة أو متكررة. فهؤلاء الأجراء يستفيدون، من حيث المبدأ، من نفس نظام التأمين الصحي، ولكن مع تغطية بنسبة 100% للعلاجات المرتبطة بالمرض المزمن. والسؤال المطروح هو ما إذا كان الأطباء سيجدون صعوبة في تبرير تجاوز سقف 62 يوما، مما قد يؤدي إلى تجزئة الإجازات المرضية الطويلة إلى أقساط متعددة.
وتجدر الإشارة إلى أن المادة L. 321-1 من Code de la sécurité sociale تشترط أن تكون الإجازة المرضية مبررة بشهادة طبية تثبت العجز الجسدي عن مواصلة العمل أو استئنافه. وهذا الشرط يظل ساريا، لكن المرسوم الجديد أضاف إليه شرطا زمنيا.
II. حقوق الأجير أثناء الإجازة المرضية: التعويضات والحماية من الفصل
A. التعويضات اليومية والتعويض التكميلي: نظام ذو شقين
لا يغير الإصلاح الجديد من نظام التعويضات الذي يستفيد منه الأجير أثناء إجازته المرضية، ولكنه قد يؤثر على المدة التي يحصل خلالها على هذه التعويضات. والجدير بالذكر أن النظام الفرنسي يقوم على شقين متكاملين:
الشق الأول: التعويضات اليومية التي يدفعها صندوق التأمين الصحي (indemnités journalières de la sécurité sociale أو IJSS)، والتي تبدأ بعد فترة انتظار (délai de carence) مدتها 3 أيام. وتحسب هذه التعويضات على أساس 50% من الأجر اليومي الأساسي، في حدود سقف أقصى قدره 1,8 مرة الحد الأدنى للأجور (SMIC)، والذي يبلغ حوالي 1 867,02 يورو إجماليا شهريا سنة 2026.
الشق الثاني: التعويض التكميلي الذي يدفعه صاحب العمل (indemnité complémentaire). وتنص المادة L. 1226-1 من Code du travail على أن هذا التعويض يستحق لكل أجير تتوفر فيه ثلاثة شروط: (1) أن يكون قد برر غيابه في أجل 48 ساعة بإرسال الشهادة الطبية لصاحب العمل، (2) أن يكون مستفيدا من تغطية الضمان الاجتماعي، (3) أن يعالج فوق التراب الفرنسي أو داخل إحدى دول الاتحاد الأوروبي أو المنطقة الاقتصادية الأوروبية.
ويجب الانتباه إلى أن الأجراء العاملين من المنزل (salariés à domicile) والموسميين (saisonniers) والمتقطعين (intermittents) والمؤقتين (temporaires) مستثنون من هذا التعويض التكميلي، كما تنص على ذلك صراحة الفقرة الثانية من المادة L. 1226-1.
أما بالنسبة لمدة التعويض التكميلي، فتنص المادة D. 1226-2 من Code du travail على أنها تزداد بـ 10 أيام عن كل فترة كاملة مدتها 5 سنوات من الأقدمية، دون أن تتجاوز المدة الإجمالية 90 يوما. وهذا يعني أن الأجير الذي يتوفر على سنة واحدة من الأقدمية يستفيد من 30 يوما من التعويض التكميلي (بعد فترة انتظار مدتها 7 أيام)، ثم تزداد هذه المدة تدريجيا مع الأقدمية.
الإصلاح الجديد لا يمس هذه القواعد مباشرة، ولكنه قد يؤثر على الأجراء الذين يحتاجون إلى إجازات تتجاوز 31 يوما (للوصفة الأولى) أو 62 يوما (للتجديد)، إذ سيتوجب عليهم العودة إلى الطبيب للحصول على تجديد الوصفة في آجال أقصر مما كان عليه الحال سابقا. وهذا قد يشكل عبئا إداريا إضافيا، خاصة بالنسبة للأجراء الذين يواجهون صعوبات لغوية في التواصل مع النظام الصحي الفرنسي.
B. الحماية من الفصل أثناء المرض: مبدأ الحظر واستثناءاته
من أهم الضمانات التي يوفرها قانون العمل الفرنسي للأجير المريض هي الحماية من الفصل (protection contre le licenciement) أثناء فترة توقف عقد العمل (suspension du contrat de travail). وهنا يجب التمييز بين وضعيتين:
الوضعية الأولى: المرض العادي (maladie simple). في هذه الحالة، لا يمنع القانون صاحب العمل من فصل الأجير بسبب غيابه المتكرر أو المطول إذا كان هذا الغياب يؤدي إلى اضطراب في سير المؤسسة (perturbation du fonctionnement de l entreprise) ويستوجب استبدال الأجير بشكل نهائي (remplacement définitif). وهذا ما أكدته الغرفة الاجتماعية لمحكمة النقض (Cour de cassation, chambre sociale) في العديد من قراراتها. فالفصل في هذه الحالة لا يعتبر جزائيا بسبب المرض، بل مبررا بضرورة موضوعية تتعلق بحسن سير المؤسسة.
غير أن صاحب العمل لا يستطيع فصل الأجير لمجرد كونه مريضا، وإلا اعتبر الفصل تمييزيا بسبب الحالة الصحية (discrimination en raison de l état de santé)، وهو باطل (nul) طبقا للمادة L. 1132-1 من Code du travail. كما أن صاحب العمل مطالب بإثبات أن غياب الأجير تسبب فعلا في اضطراب موضوعي لسير المؤسسة، وأن استبداله كان ضروريا.
الوضعية الثانية: حادثة الشغل أو المرض المهني (accident du travail ou maladie professionnelle). في هذه الحالة، تكون الحماية أقوى بكثير. فالمادة L. 1226-9 من Code du travail تنص صراحة على أنه “خلال فترات توقف عقد العمل، لا يمكن لصاحب العمل فسخ هذا العقد إلا إذا أثبت إما ارتكاب المعني بالأمر لخطأ جسيم (faute grave)، وإما استحالة الإبقاء على العقد لسبب أجنبي عن الحادثة أو المرض”. وهذا يعني أن الفصل أثناء التوقف عن العمل بسبب حادثة شغل أو مرض مهني محاط بضمانات قانونية مشددة.
وبالنسبة للإصلاح الجديد، فإن تحديد مدة الإجازة المرضية لا يغير شيئا من نظام الحماية من الفصل، لكنه قد يؤثر بشكل غير مباشر على وضعية الأجير: فإذا كان الأجير يحتاج إلى إجازة طويلة، فإنه سيضطر إلى تجديدها على فترات أقصر (كل 62 يوما كحد أقصى). وإذا لم يتمكن من الحصول على موعد مع الطبيب في الوقت المناسب، فقد يجد نفسه في وضعية غياب غير مبرر، مما قد يعرضه لعقوبات تأديبية تصل إلى الفصل. ومن هنا تأتي أهمية التنظيم المسبق للمواعيد الطبية والتواصل المنتظم مع صاحب العمل.
ويظل مجلس العمل (conseil de prud hommes) هو المحكمة المختصة للنظر في النزاعات المتعلقة بالفصل أثناء المرض أو بسببه. ويجب على الأجير الذي يعتقد أنه تعرض للفصل التعسفي أن يرفع دعواه في أجل زمني محدد. ولمعرفة تفاصيل المسطرة والآجال، يمكن الاطلاع على مقالنا حول اختصاصات مجلس العمل.
خاتمة
يشكل إصلاح تحديد مدة الإجازات المرضية اعتبارا من فاتح سبتمبر 2026 نقطة تحول في سياسة التأمين الصحي الفرنسي. فرغم أن الحكومة تبرره بمحاربة “التعويضات غير المبررة”، إلا أنه يفرض على الأجراء، خاصة أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة أو يواجهون صعوبات لغوية، أعباء إدارية إضافية. فتجديد الوصفة الطبية كل 31 يوما أو 62 يوما يتطلب تنظيم مواعيد طبية منتظمة، وهو ما قد لا يكون متاحا دائما في بعض المناطق التي تعاني من نقص في الأطباء (déserts médicaux).
غير أن هذا الإصلاح لا ينبغي أن يكون مصدرا للقلق المفرط. فآليات الحماية من الفصل لا تزال قائمة، والتعويضات اليومية والتكميلية لم تتغير قواعدها. والأجراء الذين يحتاجون فعلا إلى إجازات طويلة يمكنهم الحصول عليها، شريطة أن يبرر الطبيب ذلك. والمطلوب من الأجير، أكثر من أي وقت مضى، أن يكون منظما في متابعة حالته الصحية، وأن يتواصل بانتظام مع صاحب العمل، وأن يحتفظ بنسخ من جميع الوثائق الطبية والإدارية.
يبقى أن نشير إلى أن القضاء الاجتماعي سيكون له الكلمة الفصل في تفسير هذه القواعد الجديدة، خاصة فيما يتعلق بحالات الأمراض المزمنة وتبرير تجاوز السقف الزمني. وسنواصل في هذا الموقع متابعة آخر المستجدات القانونية والقضائية في هذا الشأن.
أرسلوا مستندات ملفكم إلى مكتب الأستاذ حسن كوهن. يجيبكم شخصياً خلال 24 ساعة بقراءة قانونية أولية. الاستشارات متاحة باللغة العربية.