في 23 يوليو 2026، صدر في الجريدة الرسمية الفرنسية القانون رقم 2026-651 المتعلق بـالعدالة الجنائية واحترام الضحايا (loi sur la justice criminelle et le respect des victimes)، والذي يعرف إعلاميا بـ”قانون دارمانان” نسبة إلى وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان (Gérald Darmanin). وقد تم التصويت النهائي على هذا النص من قبل البرلمان الفرنسي في 9 يوليو 2026 بأغلبية 232 صوتا مقابل 99 صوتا في مجلس الشيوخ، بعد مسار تشريعي استمر عدة أشهر وشهد سحبا لعدة إجراءات كانت مثيرة للجدل، أبرزها نظام الإقرار بالذنب في القضايا الجنائية (plaider-coupable criminel) الذي كان يشكل العمود الفقري للمشروع الأصلي.
يأتي هذا الإصلاح في سياق أزمة مزمنة تعاني منها العدالة الجنائية الفرنسية، تتجلى في بطء الإجراءات وتكدس الملفات وآجال الانتظار الطويلة أمام محاكم الجنايات. وقد صرح وزير العدل بأن هذا القانون يشكل “خطوة كبيرة إلى الأمام من أجل عدالة أسرع وأكثر أمانا”، بينما انتقدت المعارضة اليسارية وهيئات المحامين النص معتبرة أنه خرج فارغا من أهم إصلاحاته. والحقيقة أن النص النهائي، رغم بتره من عدة إجراءات، يحمل تغييرات ملموسة على مستوى المحاكم الجنائية الإقليمية ونظام الحبس الاحتياطي وتقنيات التحقيق الجنائي. ولمعرفة المزيد عن النظام القضائي الفرنسي وحقوق المتقاضين، يمكن الاطلاع على الدليل الشامل للقانون الفرنسي بالعربية.
يهدف هذا المقال إلى شرح أهم ما جاء به هذا القانون من مستجدات، وتأثيرها العملي على حقوق المتقاضين، سواء كانوا متهمين أو ضحايا، مع التركيز على الجوانب التي تهم الجالية العربية المقيمة في فرنسا، خصوصا في ما يتعلق بالحبس الاحتياطي وحقوق الدفاع والمسطرة الجنائية.
I. المحاكم الجنائية الإقليمية: توسيع الاختصاص وإصلاح التنظيم
A. توسيع اختصاص المحاكم الجنائية الإقليمية ليشمل حالة العود
من أبرز مستجدات هذا القانون تعديل المادة 181-1 من قانون الإجراءات الجنائية (Code de procédure pénale) المتعلقة باختصاص المحاكم الجنائية الإقليمية (cours criminelles départementales). هذه المحاكم، التي أُنشئت بموجب قانون 2019، كانت مختصة حصرا بالنظر في الجنايات (crimes) المعاقب عليها بالسجن من خمس عشرة سنة إلى عشرين سنة، شريطة ألا تكون مرتكبة في حالة العود الجنائي (récidive légale). أما الجنايات المرتكبة في حالة العود فكانت تحال على محاكم الجنايات التقليدية (cours d’assises) التي تتميز ببطء شديد في معالجة الملفات.
غير أن القانون الجديد يوسع هذا الاختصاص ليشمل الجنايات المرتكبة في حالة العود، بعد أن كانت هذه القضايا خارج نطاق المحاكم الجنائية الإقليمية. وقد نص القانون على إنشاء حوالي ستين محكمة جنائية إقليمية جديدة لاستيعاب هذا التوسع الكبير في الاختصاص. هذا التعديل يكتسي أهمية عملية بالغة، إذ أن محاكم الجنايات تعاني من آجال انتظار طويلة جدا قد تمتد لسنوات، بينما المحاكم الجنائية الإقليمية، بتشكيلتها المخففة المكونة من خمسة قضاة مهنيين دون محلفين، قادرة على الفصل في القضايا بسرعة أكبر.
وكانت محكمة النقض (محكمة النقض) قد فصلت في مسألة الاختصاص هذه قبل صدور القانون، حيث قضت الغرفة الجنائية (Chambre criminelle) في قرار لها بتاريخ 26 فبراير 2025 بأنه “إذا توفرت في ختام التحقيق أدلة كافية ضد الشخص المتابع بارتكاب جناية معاقب عليها بالسجن من خمس عشرة سنة إلى عشرين سنة خارج حالة العود، فإنه يحال على المحكمة الجنائية الإقليمية” (Cass. crim., 26 févr. 2025, n° 24-86.882). وهذا يعني أن المحكمة كانت تستبعد اختصاص المحاكم الجنائية الإقليمية متى تعلق الأمر بالعود، وهو ما عدله المشرع صراحة بهذا القانون لتوسيع نطاق هذه المحاكم.
كما أكدت محكمة النقض أن حالة العود الجنائي (récidive légale) يمكن إثارتها تلقائيا من قبل هيئة الحكم حتى لو لم ترد في وثيقة المتابعة، شرط أن يكون المتهم قد أُبلغ بها أثناء الجلسة وتمكن من الاستعانة بمحام وتقديم ملاحظاته، وذلك تطبيقا للمادة 132-16-5 من قانون العقوبات (Code pénal) (Art. 132-16-5 CP). وقد طبقت محكمة النقض هذا المبدأ في قرار لها بتاريخ 25 يونيو 2025 حيث قضت بنقض حكم لم تتح فيه الفرصة للمتهم ومن معه محاميه لمناقشة حالة العود التي أثارتها المحكمة تلقائيا (Cass. crim., 25 juin 2025, n° 24-81.183). وهذا القضاء يبين أهمية حضور المحامي خلال الجلسة لمناقشة كل عناصر الإدانة، بما فيها حالة العود.
وبالنسبة للمتهم الذي تتم إحالته على المحكمة الجنائية الإقليمية بموجب الأحكام الجديدة، ينبغي أن يعلم أن هذه المحكمة تصدر أحكامها بأغلبية الأصوات، وأنه يحق له استئناف الحكم أمام محكمة استئنافية خاصة تشكل من قضاة مهنيين أيضا. ويجب على المتهم أن يعد دفاعه بعناية خصوصا إذا كانت حالة العود تشكل عنصرا مثقلا للعقوبة، لأن العود في القانون الفرنسي يؤدي إلى مضاعفة الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية. وينبغي على المتهم أيضا أن يتحقق مما إذا كان قد حكم عليه سابقا بعقوبة نهائية من أجل جريمة مماثلة، لأن النيابة العامة قد لا تكون على علم بكل السوابق القضائية خاصة إذا كانت صادرة عن محاكم خارج الدائرة القضائية الحالية.
والجدير بالذكر أن محكمة النقض كانت قد تصدت لحالات رفضت فيها بعض المحاكم الجنائية الإقليمية اختصاصها بحجة أن الجريمة مرتكبة في حالة العود، مما أدى إلى نزاع في الاختصاص. وفي قرار صادر عن الغرفة الجنائية بتاريخ 17 فبراير 2026، أعادت محكمة النقض تأكيد مبدأ الفصل في تنازع الاختصاص بين المحاكم، وأحالت القضية إلى غرفة التحقيق للبت في الاختصاص وفق القواعد الجديدة (Cass. crim., 17 févr. 2026, n° 26-80.747).
B. تنظيم جديد للمحاكم الجنائية واستحداث آليات إجرائية
إلى جانب توسيع الاختصاص، أدخل القانون تعديلات هامة على تنظيم المحاكم الجنائية الإقليمية وسير الإجراءات. فقد أنشأ المادة L125-2 من قانون التنظيم القضائي (Code de l’organisation judiciaire) لتحديد الإطار القانوني لعمل هذه المحاكم، كما عدل عدة مواد من قانون الإجراءات الجنائية تتعلق بتشكيلتها وإجراءات الاستئناف. ومن أبرز هذه التعديلات إنشاء المادة 235-1 من قانون الإجراءات الجنائية لتنظيم عمل غرفة التحقيق في القضايا المحالة على المحاكم الجنائية الإقليمية.
ومن المهم الإشارة إلى أن القانون أقر إجراءً جديدا يتعلق بالمحامين الفخريين (avocats honoraires) الذين يمكنهم ممارسة وظائف قضائية كقضاة مساعدين في هذه المحاكم، على أن يدخل هذا الإجراء حيز التنفيذ في 1 يناير 2027. وهذا يشكل فرصة لتعبئة موارد بشرية إضافية لتسريع البت في القضايا المتراكمة.
كما نص القانون على إنشاء المادة 10-1-1 من قانون الإجراءات الجنائية التي تهدف إلى تحسين نظام المساعدة القضائية (aide juridictionnelle) لضمان تمثيل قانوني أفضل للمتهمين أمام هذه المحاكم. وهذا أمر يهم بشكل خاص الأشخاص ذوي الدخل المحدود، ومن بينهم العديد من أفراد الجالية العربية، الذين يمكنهم الاستفادة من محام تعينه الدولة وتتكفل بأتعابه، شرط استيفاء شروط الدخل المحددة قانونا.
أما فيما يخص القاصرين (mineurs)، فقد عدل القانون عدة مواد من قانون العدالة الجنائية للقاصرين (Code de la justice pénale des mineurs)، لا سيما المواد L434-6 إلى L434-9، وذلك لتكييف أحكام الحبس الاحتياطي للقاصرين الذين تزيد أعمارهم عن ست عشرة سنة والمتابعين بجرائم جناية. وقد أضاف القانون المادة L531-2-1 من نفس القانون لاستحداث آليات جديدة لمتابعة القاصرين أمام هذه المحاكم.
وينبغي التنبيه إلى أن الإدانة الجنائية في فرنسا يمكن أن ترتب آثارا خطيرة على الوضعية الإدارية للأجانب، إذ يمكن أن تؤدي عقوبة جنائية إلى إصدار قرار بالإبعاد عن التراب الفرنسي (obligation de quitter le territoire français – OQTF) أو منع من الحصول على الجنسية الفرنسية أو رفض تجديد بطاقة الإقامة. لذا يتعين على كل شخص أجنبي يواجه متابعة جنائية أن يطلع محاميه على وضعيته الإدارية لتنسيق الدفاع الجنائي مع الدفاع الإداري، وأن يستعين إذا لزم الأمر بمحام مختص في قانون الأجانب إلى جانب محاميه الجزائي.
II. الإجراءات العاجلة وآليات التحقيق الجديدة
A. إجراءات استثنائية للحبس الاحتياطي للكبار والقاصرين
من أكثر الإجراءات إثارة للجدل في هذا القانون، تلك المتعلقة بالحبس الاحتياطي (détention provisoire)، وهو إجراء سالب للحرية يتخذ قبل صدور حكم نهائي، ويفترض أن يظل استثناءً وليس قاعدة. فقد تضمن النص آلية استعجالية تسمح بتمديد بعض حالات الحبس الاحتياطي في ظروف محددة، وهو إجراء شككت المعارضة اليسارية وهيئات الدفاع عن حقوق الإنسان في دستوريته، وأعلن عدة برلمانيين عزمهم الطعن فيه أمام المجلس الدستوري (Conseil constitutionnel).
وقد استحدث القانون لهذا الغرض المادة 803-11 من قانون الإجراءات الجنائية التي تنظم هذه الإجراءات الاستثنائية. كما عدل المواد 145-1 و145-1-1 و148 وما يليها من قانون الإجراءات الجنائية. وبموجب المادة 12 من القانون، فإن هذه الإجراءات المتعلقة بالحبس الاحتياطي تدخل حيز التنفيذ فورا اعتبارا من تاريخ نشر القانون، أي منذ 24 يوليو 2026، وهو ما يعني أنها تسري حاليا على جميع الإجراءات الجارية.
وينص المبدأ العام في القانون الفرنسي على أنه لا يمكن الأمر بالحبس الاحتياطي أو تمديده إلا إذا تبين، استنادا إلى عناصر دقيقة وظرفية مستمدة من الإجراءات، أنه يشكل الوسيلة الوحيدة لتحقيق أحد الأهداف المحددة حصرا في المادة 144 من قانون الإجراءات الجنائية (Art. 144 CPP). وهذه الأهداف هي: (1) الحفاظ على الأدلة والمؤشرات المادية الضرورية لإظهار الحقيقة، (2) منع الضغط على الشهود أو الضحايا أو ذويهم، (3) منع التواطؤ غير المشروع بين الشخص المتابع وشركائه، (4) حماية الشخص المتابع نفسه، (5) ضمان بقاء الشخص رهن إشارة العدالة، (6) وضع حد للجريمة أو منع تكرارها، (7) وضع حد للاضطراب الاستثنائي والمستمر للنظام العام الناجم عن خطورة الجريمة. ويجب أن تكون هذه الأهداف غير قابلة للتحقق بواسطة الرقابة القضائية (contrôle judiciaire) أو الإقامة الجبرية مع المراقبة الإلكترونية (assignation à résidence avec surveillance électronique).
أما بخصوص القاصرين، فإن المادة L334-2 من قانون العدالة الجنائية للقاصرين تضع شروطا أكثر تشددا، حيث تشترط أن الحبس الاحتياطي للقاصر لا يمكن الأمر به أو تمديده “إلا إذا كان هذا الإجراء لا غنى عنه، وإذا ثبت، استنادا إلى عناصر دقيقة وظرفية مستمدة من الإجراءات وعناصر الشخصية التي تم جمعها مسبقا، أنه يشكل الوسيلة الوحيدة لتحقيق أحد الأهداف المذكورة في المادة 144 من قانون الإجراءات الجنائية، وأن هذه الأهداف لا يمكن بلوغها في حالة الخضوع للرقابة القضائية أو الإقامة الجبرية مع المراقبة الإلكترونية” (Art. L334-2 CJPM).
وقد ذكرت محكمة النقض بهذه المبادئ في قرار هام منشور بالنشرة القضائية (Publié au Bulletin) بتاريخ 14 يناير 2026، قضت فيه بنقض قرار غرفة التحقيق (chambre de l’instruction) التي أمرت بالحبس الاحتياطي لقاصر دون أن تستظهر بشكل كاف الضرورة القصوى لهذا الإجراء ودون أن تبين لماذا لا تكفي الرقابة القضائية أو المراقبة الإلكترونية لتحقيق الأهداف المنشودة (Cass. crim., 14 janv. 2026, n° 25-87.086, Publié au Bulletin). وهذا القرار يشكل سندا قضائيا قويا للمحامين في مرافعاتهم للإفراج عن القاصرين الموضوعين رهن الحبس الاحتياطي.
كما شددت محكمة النقض في قرار منشور آخر بتاريخ 12 مارس 2025 على ضرورة إجراء جمع المعلومات الاجتماعية التربوية (recueil de renseignements socio-éducatifs – RRSE) قبل أي طلب أو قرار بالحبس الاحتياطي للقاصر. وقد ذهبت المحكمة إلى أبعد من ذلك حين اعتبرت أن هذا الالتزام ينطبق حتى على القاصر الذي بلغ سن الرشد وقت المتابعة، ما دام لم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره عند اتخاذ قرار الحبس الاحتياطي (Cass. crim., 12 mars 2025, n° 24-87.015, Publié au Bulletin). وهذا المبدأ يكتسي أهمية عملية بالغة في الدفاع عن حقوق الشباب المتابعين جزائيا، خصوصا المنحدرين من أوساط مهاجرة حيث قد تكون المعلومات الاجتماعية التربوية غير متوفرة أو غير محدثة.
وإضافة إلى ذلك، أضاف القانون إجراء عاجلا لسد فراغ تشريعي كان قائما بخصوص الحبس الاحتياطي للقاصرين البالغين ست عشرة سنة على الأقل والمتهمين بجنايات، حيث سبق للمجلس الدستوري أن صرح بعدم دستورية بعض الأحكام السابقة. وقد أحالت محكمة النقض أكثر من مسألة أولوية دستورية (question prioritaire de constitutionnalité – QPC) إلى المجلس الدستوري بخصوص الحبس الاحتياطي للقاصرين، كان آخرها قرار بتاريخ 28 يناير 2026 (Cass. crim., 28 janv. 2026, n° 25-90.028) وقرار بتاريخ 26 مارس 2025 (Cass. crim., 26 mars 2025, n° 24-87.321)، وهو ما يعكس التوتر القائم بين ضرورات السياسة الجنائية وضمانات الحقوق الأساسية للقاصرين.
ولمن يرغب في تقديم طلب إفراج (demande de mise en liberté)، ينبغي أن يعلم أنه يمكن تقديمه في أي مرحلة من مراحل الإجراءات، وأن قاضي الحريات والحبس (juge des libertés et de la détention) مطالب بالبت فيه خلال أجل أقصاه ثلاثة أيام عمل إذا كان الملف قد أحيل على المحكمة، أو خمسة أيام عمل في مرحلة التحقيق. وفي حالة الرفض، يمكن استئناف القرار أمام غرفة التحقيق خلال عشرة أيام.
B. الوسائل الجديدة للتحقيق: علم الأنساب الجيني وتبسيط إجراءات البطلان
إلى جانب الإجراءات المتعلقة بالحبس الاحتياطي، أدخل القانون وسائل تحقيق جديدة تهدف إلى تحسين فعالية العدالة الجنائية في كشف الجرائم وملاحقة مرتكبيها. أبرز هذه الوسائل وأكثرها جدلا هو الترخيص باستخدام علم الأنساب الجيني (généalogie génétique) لحل بعض القضايا، خصوصا القضايا القديمة أو المعقدة التي استعصى حلها بالوسائل التقليدية.
وينص القانون في هذا الإطار على السماح للسلطات القضائية بالاطلاع على قواعد بيانات الشركات الخاصة، ومعظمها شركات أمريكية، التي تقدم اختبارات جينية ترفيهية (tests génétiques récréatifs) محظورة في فرنسا. وتعمل هذه التقنية على مقارنة الحمض النووي (ADN) الموجود في مسرح الجريمة مع بيانات الأنساب الجينية المتوفرة لدى هذه الشركات، مما يسمح بتحديد هوية المشتبه بهم من خلال أقاربهم الذين خضعوا طواعية لهذه الاختبارات. وعدل القانون لهذا الغرض المواد 230-28 و230-29 و230-30 من قانون الإجراءات الجنائية.
كما وسع القانون نطاق الملف الوطني الآلي للبصمات الوراثية (Fichier national automatisé des empreintes génétiques – FNAEG) بتعديل عدة مواد من قانون الإجراءات الجنائية، منها المواد 21-3 و55-1 و76-2 و706-54 إلى 706-56. وهذا يعني توسيع دائرة الأشخاص الملزمين بالخضوع لأخذ عينات الحمض النووي، بما في ذلك في إطار التحريات الأولية وليس فقط في إطار التحقيق القضائي.
وفي مجال تبسيط الإجراءات، عالج القانون مسألة مهمة تهم المتقاضين والمحامين على حد سواء، وهي إجراءات الدفع بالبطلان (nullités de procédure) التي كثيرا ما تؤخر سير الدعاوى وتمنع البت في جوهر القضية. فقد عدل المادتين 173-1 و385 من قانون الإجراءات الجنائية بهدف تسريع الفصل في هذه الدفوع الشكلية. وعدل أيضا المادة 198 المتعلقة بإجراءات الاستئناف أمام غرفة التحقيق، وكذا المواد 221-3 و552 المتعلقة بالتبليغات القضائية.
وتهدف هذه التعديلات إلى تحقيق توازن أفضل بين حق المتهم في إثارة بطلان الإجراءات التي تمس بحقوقه، وبين ضرورة عدم استخدام هذه الدفوع كوسيلة للمماطلة وإطالة أمد الإجراءات. فعلى سبيل المثال، أصبحت بعض الدفوع الشكلية مقيدة بآجال سقوط (forclusion) صارمة، بحيث يجب إثارتها في مرحلة معينة من الإجراءات وإلا سقط الحق فيها. وقد قضت محكمة النقض في هذا الشأن بأن “الشخص المتابع يمكنه في أي وقت إثارة عدم اختصاص قاضي التحقيق المكلف بالملف، لكنه لا يمكنه، بعد انقضاء أجل السقوط المنصوص عليه في المادة 173-1 من قانون الإجراءات الجنائية، طلب إبطال الأعمال المنجزة سابقا من قبل هذا القاضي” (Cass. crim., 2 déc. 2025, n° 25-82.399). ويترتب على هذه القاعدة أن على المحامي أن يكون يقظا لتقديم كل الدفوع الشكلية في الآجال المحددة تحت طائلة سقوط الحق.
كما تجدر الإشارة إلى أن المادة 7 من القانون عدلت أحكاما مهمة تتعلق بالمساعدة القضائية وإجراءات التبليغ وحقوق الدفاع. فقد تم تعديل المواد 10 و371-1 و464 و495-13 و539 من قانون الإجراءات الجنائية، مما يؤثر على جوانب عملية متعددة من سير الدعوى الجنائية. كما عدلت المادة L512-3 من قانون العدالة الجنائية للقاصرين والمادتان L217-1 وL217-6 من قانون التنظيم القضائي.
أما بخصوص الجدول الزمني لدخول هذه الإجراءات حيز التنفيذ، فنصت المادة 12 من القانون على أن تعديلات المادة 181-1 المتعلقة بالمحاكم الجنائية الإقليمية تدخل حيز التنفيذ في اليوم الأول من الشهر السادس بعد نشر القانون، أي ابتداء من 1 يناير 2027. كما أن أحكام المواد L434-6 إلى L434-9 من قانون العدالة الجنائية للقاصرين، المتعلقة بالحبس الاحتياطي، تسري فورا على الإجراءات التي تتخذ فيها قرارات الإحالة على محكمة الجنايات مع الإبقاء على الحبس الاحتياطي بعد نشر القانون.
وأخيرا، تجدر الإشارة إلى أن القانون تضمن جملة من الأحكام أعلن المجلس الدستوري عدم دستوريتها بموجب قراره رقم 2026-909 DC الصادر في 23 يوليو 2026، وهو ما أدى إلى بتر النص من عدة إجراءات، منها تلك المتعلقة بالإقرار بالذنب في المادة الجنائية التي كانت تشكل الإجراء المحوري للمشروع الأصلي.
خاتمة
يشكل قانون 23 يوليو 2026 المتعلق بالعدالة الجنائية واحترام الضحايا محطة هامة في مسار إصلاح العدالة الجنائية الفرنسية. فرغم أنه خرج مبتورا من عدة إجراءات كانت تشكل عموده الفقري، وعلى رأسها نظام الإقرار بالذنب الجنائي، فإنه يظل نصا طموحا من حيث توسيع اختصاص المحاكم الجنائية الإقليمية، واستحداث آليات تحقيق علمية جديدة، وتبسيط إجراءات البطلان، وتوفير إطار قانوني للحبس الاحتياطي يستجيب لحالات الطوارئ التي قد تنجم عن فراغات تشريعية.
غير أن نجاح هذا الإصلاح سيتوقف على عدة عوامل: مدى احترام القضاء للضمانات الأساسية لحقوق الدفاع (droits de la défense) عند تطبيق الأحكام الجديدة، وقدرة المحاكم على استيعاب التوسع في الاختصاص دون التضحية بجودة الأحكام، والحذر من تحويل الحبس الاحتياطي من إجراء استثنائي إلى عقوبة سالبة للحرية قبل ثبوت الإدانة، مما قد يمس بقرينة البراءة (présomption d’innocence) وبالحق في محاكمة عادلة (procès équitable) التي تكفلها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (Convention européenne des droits de l’homme).
وفي كل الأحوال، ينصح أي شخص يواجه إجراءات جنائية في فرنسا، سواء كان متهما أو ضحية، بالاستعانة فورا بمحام مختص في القانون الجنائي (droit pénal) لضمان حسن تطبيق هذه الأحكام الجديدة والدفاع عن حقوقه على الوجه الأكمل، خصوصا في المراحل الأولى من الإجراءات حيث تكون فرص التأثير على مسار الملف أكبر.
المصدر الرئيسي: القانون رقم 2026-651 الصادر في 23 يوليو 2026 المتعلق بالعدالة الجنائية واحترام الضحايا (LOI n° 2026-651 du 23 juillet 2026)، منشور بالجريدة الرسمية للجمهورية الفرنسية (JORF) عدد 0171 بتاريخ 24 يوليو 2026.
أرسلوا مستندات ملفكم إلى مكتب الأستاذ حسن كوهن. يجيبكم شخصياً خلال 24 ساعة بقراءة قانونية أولية. الاستشارات متاحة باللغة العربية.